عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
209
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
الأقدار إلى دار القرار ، وهذه عادة الدنيا ترحل من سكن فيها ، وتسىء إلى من أحسن إليها ، فقلت لها يا جارية : مررت بها في بعض الأعوام وفي هذا الروشن جارية تغنى : ألا يا دار لا يدخلك حزن فبكت وقالت أنا واللّه تلك الجارية ، ولم يبق من أهل هذه الدار أحد غيرى ، فالويل لمن غرته دنياه ، فقلت لها : كيف قر بك القرار في هذا الموضع الخراب ؟ فقالت لي ما أعظم جفاءك ، أما كان هذا منزل الأحباب ، ثم أنشأت : قالوا ألفت وقوفا في منازلهم * ونفس مثلك لا يغنى تحملها فقلت والقلب قد ضجت أضالعه * والروح تنزع والأشواق تبذلها منازل الحب في قلبي معظمة * وإن خلا من نعيم الوصل منزلها فكيف أتركها والقلب يتبعها * حبا لمن كان قبل اليوم ينزلها قال : فتركتها ومضيت وقد وقع شعرها من قلبي موقعا ، وازداد قلبي تولعا * قلت : إنما أعجب أبا القاسم الجنيد رضي اللّه عنه قولها لأنها ذكرت صفة الحب والمحب والمحبوب وصدقت في الوصل وصدقت في التحقق بالحب الذي ذكرته وصبرت على ملازمة منزل الأحباب مع ما فيه من شعث الحال وتجدد أحزان المصاب * وقد حكى عن بعض اللصوص أنه قطعت يده اليمنى في السرقة ، ثم سرق فقطعت رجله اليسرى ، ثم سرق فقطعت يده اليسرى ، ثم سرق فقطعت رجله اليمنى كما هو حكم الشرع في ذلك ، ثم سرق فعلق في الهواء تعزيرا له ، إذ لم يبق بعد قطع الأعضاء الأربعة إلا التعزير على حسب ما يليق بالحال ، فمر عليه بعض الشيوخ الصوفية وهو معلق مقطوع يداه ورجلاه ، فقال الشيخ لأصحابه الذين معه : أنا عبد هذا الشخص ، قالوا وكيف ذلك ؟ قال لأنه صبر على ما أصابه في طلب محبوبه ولم يرده عنه كل ما أصابه من تعب وعقوبة * قلت : وقول الجارية في أول الحكاية : ألا يا دار لا يدخلك حزن اغترار بسرور لم يشبه كدر في أيام إقبال الدنيا الخداعة ، ولهو بلعب